|

إن المؤتمر الخامس للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان،
المنعقد ببوزنيقة يومي 24-25 ذي القعدة 1427 الموافق 16-17 دجنبر
2006، تحت شعار:(لا للممارسات التي تُجهض المكتسبات في مجال
حقوق الإنسان).
بناء على الرسالة التي أخذتها العصبة على عاتقها منذ تأسيسها في 11
ماي 1972، والتي تتلخص في الدفاع عن حقوق المواطنين وحرياتهم
الأساسية، والذود عن الكرامة الإنسانية المتأصلة في الكائن البشري
أينما وجد، وفضح الخروق والانتهاكات أيا كان مصدرها، على الصعيدين
الوطني والدولي، ونشر وتعميق الوعي بمفاهيم وقيم حقوق الإنسان في
بعدها الكوني، وانطلاقا من مبدأ عدم قابليتها للتجزئة.
وبعد تدارسه لوضعية الحقوق المدنية والسياسية؛
أولا - على الصعيد الوطني:
يسجل المؤتمر تحقيق عدد من المكتسبات، والخطوات الإيجابية التي
عرفها المغرب، منذ صدور الميثاق الوطني لحقوق الإنسان، المعلن عنه
في 10 دجنبر 1990 من طرف خمس منظمات حقوقية من بينها العصبة، ويمكن
الإشارة بصفة خاصة إلى:
- إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990،
وإعادة تنظيمه سنة 2001 لإعطاء تمثيلية أكثر للمجتمع المدني،
وجعل حضور ممثلي السلطة استشاريا لا تقريريا، و ذلك بغية ضمان
استقلالية المجلس وفاعليته.
- إطلاق سراح العديد من المعتقلين السياسيين
والسماح بعودة المنفيين ابتداء من سنة 1991.
- التنصيص في ديباجة دستور1992 المعدل في 1996 على
التزام المغرب بحقوق الإنسان كما هو متعارف عليها دوليا.
- إحداث المحاكم الإدارية سنة 1993.
- التصديق على عدد من الاتفاقيات الدولية (مناهضة
التعذيب، محاربة التمييز ضد المرأة، حقوق الطفل) سنة 1993.
- إحداث المجلس الدستوري سنة 1994.
- إحداث اللجنة المستقلة للتحكيم في قضايا التعويض
سنة 1999.
- إحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية سنة
2001.
- إحداث ديوان المظالم في دجنبر 2001، كوسيط بين
المواطنين والإدارة لمعالجة شكاياتهم وتظلماتهم.
- إصدار قانون جديد للأسرة في أكتوبر 2003.
- إحداث المجلس الأعلى للسمعي البصري في نونبر
2003.
- إحداث هيئة " الإنصاف
والمصالحة " في يناير 2004.
- التوقيع على قانون المحكمة الجنائية.
- اتخاذ قرار بالمصادقة على البرتوكول الاختياري
الأول الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
- اتخاذ قرار برفع التحفظات على اتفاقية مناهضة
التعذيب
- التعديلات التي طالت قوانين الحريات العامة، وقانون المسطرة
الجنائية، والقانون الجنائي، وصدور قانون تجريم التعذيب، وقانون
الأحزاب.
- التوسع النسبي لفضاء الحريات العامة وحرية الصحافة.
- انخراط العديد من المرافق الحكومية والهيئات المجتمعية في العمل
على النهوض بحقوق الإنسان.
غير أن الخطوات التي تحققت بالرغم من أهميتها فهي لا تستجيب سوى
جزئيا لمطالب وأهداف العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان،
وبالتالي فإن تحسين وضعية الحقوق المدنية والسياسية، في حاجة إلى
مزيد من التدابير التشريعية والعملية، لتجاوز النقص، وتوفير
الآليات الضرورية لحمايتها من الانتهاكات، وضمان احترامها على أرض
الواقع.
إن المغرب في حاجة إلى تجاوز ما تبقى من عقليات وممارسات المراحل
السابقة، التي يؤدي اليوم ثمنا باهظا في محاولة لتضميد بعض الجروح
الموروثة عنها، ولو بشكل نسبي، لأن تلك الجروح كانت عميقة، وستبقى
علامة على مرحلة رهيبة، وممارسات وانتهاكات جسيمة، لا ينبغي السماح
بتكرارها بأي شكل من الأشكال.
على
مستوى الدستور:
لقد أقر الدستور المغربي منذ سنة 1962 بعض الحقوق والحريات، ولم
تعرف البنود المتعلقة بهذا الموضوع تغييرات هامة في التعديلات
الدستورية المتوالية، وضمن الصيغة الأخيرة التي أسفرت عنها تعديلات
سنة 1996، فإن الحقوق المدنية والسياسية التي يقرها الدستور هي:
حرية ممارسة الشؤون الدينية، وتساوي جميع المغاربة أمام القانون،
وتساوي الرجل والمرأة في التمتع بالحقوق السياسية، وحقهما في
التصويت والترشح في الانتخابات، وحرية التجول، وحرية الرأي
والتعبير، وحرية الاجتمـاع، و«حرية
تأسيس الجمعيات وحرية الانخراط في المنظمات النقابية والسياسية»،
ونص الدستور على عدم التعرض للاعتقال أو انتهاك حرمة المنزل إلا في
إطار الإجراءات التي يحددها القانون، وعدم انتهاك سرية المراسلات،
وحق الجميع في تقلد الوظائف العمومية، وحق الإضراب، وإن كان
القانون التنظيمي لهذا الحق لم يصدر بعد.
ومما يُدرج ضمن الحقوق المدنية والسياسية التي أغفل الدستور
التنصيص عليها: الحق في الحياة والسلامة الشخصية، والحق في
المعاملة الإنسانية والحماية من التعذيب، ولا ينص على أن البراءة
هي الأصل، وعلى ضمانات المحاكمة العادلة، ولا ينص على الحق في
مغادرة التراب الوطني والعودة إليه بحرية، ولا ينص على الحق في
الإعلام، بالتماس الأنباء والأفكار، وتلقيها ونقلها إلى الآخرين،
ولا ينص على الحق في البيئة السليمة، كما أنه من جوانب النقص عدم
التنصيص على سمو المواثيق الدولية وأولويتها في التطبيق بالنسبة
للقوانين الوطنية.
ولذلك ترى العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان ضرورة القيام
بإصلاح دستوري شامل، يتدارك النقص فيما يتعلق بإقرار الحقوق
والحريات الأساسية، والمبادئ التي ترتكز عليها دولة الحق والقانون،
ويتبلور من خلاله مبدأ سيادة الشعب الذي هو جوهر الديمقراطية،
ويجعل إرادة المواطنين مناط سلطة الحكم في إطار دولة المؤسسات طبقا
لما تنص عليه الفقرة 3 من المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان، ويضمن فصل وتوازن السلط، والاستقلال التام للسلطة
القضائية، وسيادة القانون، وتساوي المواطنين أمام أحكامه.
بالنسبة
للمؤسسات التمثيلية:
إن قيام ديمقراطية حقيقية تخول للشعب المغربي الحق في تدبير شؤونه
بنفسه، من خلال مؤسسات تمثيلية ذات مصداقية، يتوقف على توفير
الشروط القانونية والعملية لضمان حرية ونزاهة الانتخابات، وتتيح
المجال لتمثيل مختلف الفئات الاجتماعية والتيارات السياسية دون
إقصاء، وتحمي في ذات الوقت المشهد السياسي من البلقنة والتمييع.
واحترام إرادة الناخبين لا ينحصر في نزاهة الانتخابات، وإنما يقتضي
أيضا تشكيل الحكومة من الأغلبية التي تفرزها صناديق الاقتراع في
الانتخابات التشريعية، وأن تتوفر لها الصلاحيات الكافية لتنفيذ
البرامج التي ترجحها إرادة الناخبين، وأن يخضع كل عمل يقوم به
الجهاز التنفيذي للمراقبة والمساءلة.
بالنسبة للمواثيق الدولية:
لقد صادق المغرب على عدة مواثيق وعهود دولية لحقوق الإنسان، وإن
الالتزام الذي أخذه على عاتقه بمقتضى الدستور باحترام حقوق الإنسان
كما هو متعارف عليها دوليا، يقتضي المبادرة بالتصديق على المواثيق
التي لم يصادق عليها بعد، ومنها البرتكول الاختياري الثاني الملحق
بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والمتعلق بإلغاء
عقوبة الإعدام، وتجريم التعذيب، والاختفاء القسري؛ وقانون المحكمة
الجنائية الدولية الذي وقع عليه؛ ورفع التحفظات عن بنود المواثيق
التي سبق أن صادق عليها؛ وملاءمة القوانين الوطنية مع المواثيق
الدولية.
على مستوى الممارسة:
وتلاحظ العصبة أنه على إثر الأحداث الإرهابية في 16 ماي 2003
اعتمدت الدولة مقاربة أمنية بحتة في محاربة الإرهاب، اقترنت بخطوات
تراجعية في مجال حقوق الإنسان، بدءا بإصدار قانون الإرهاب، ومرورا
بالتجاوزات التي تطبع الاعتقال ومراحل التحقيق، وانتهاء بانتفاء
شروط المحاكمة العادلة، بينما تقتضي محاربة الإرهاب اتخاذ التدابير
الوقائية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية
والثقافية، وتكثيف الجهود الرامية لمحاربة الفقر والإقصاء والأمية،
وضمان الحد الأدنى لشروط الحياة الكريمة لكل المواطنين، إلى جانب
التدابير الردعية التي ينبغي اتخاذها في إطار المشروعية، والضمانات
القانونية، ارتكازا على مبدأ البراءة هي الأصل.
كما تلاحظ العصبة استمرار بعض المظاهر التي طبعت المراحل السابقة
التي من المفروض أن يتم طي صفحتها بصفة نهائية، ومن ذلك على
الخصوص:
* الاستعمال المفرط للعنف في مواجهة الكثير من التظاهرات والوقفات
الاحتجاجية، خاصة منها تلك التي ينظمها المعطلون من حاملي
الشهادات، مما يعد انتهاكا لحقوق المواطنين في التعبير عن رغباتهم
ومواقفهم.
* محاكمة عدد من الصحف والأشخاص بسبب الرأي.
* الإفلات من العقاب بالنسبة للمتورطين في اختلاس وتبديد المال
العام، وكذا المتهمين بممارستهم للتعذيب.
* تفشي الرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ وما ينجم عن ذلك من
اختلال في التدبير، وخرق لمبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور.
* الإفساد المتعمد للحياة السياسية من طرف عدد من محترفي
الانتخابات، والرحل بين الأحزاب السياسية، وإذ تسجل العصبة بداية
التدخل الإيجابي للسلطات العمومية في مواجهة عملية شراء الأصوات،
فإن الاقتصار على انتقاء بعض الحالات، وعدم تعميم التدابير الرادعة
لن يستأصل الداء من جذوره.
* الاكتظاظ والظروف غير الملائمة وضعف العناية الصحية داخل السجون،
مما يؤدي لتزايد الوفيات، مما يخالف القواعد النموذجية الدنيا
لمعاملة السجناء.
* الممارسات التي ترجع بنا إلى الماضي، والتي تتجلى في المظالم
والتعسفات التي يتعرض لها كثير من المواطنات والمواطنين على يد بعض
مسؤولي وأعوان السلطة.
* تفاقم ظاهرة الإجرام، وتدهور الوضع الأمني، مما يهدد السلامة
البدنية للأشخاص، وحماية الممتلكات.
بالنسبة لنتائج عمل هيئة الإنصاف
والمصالحة:
إن العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان تثمن مبادرة تأسيس هيئة
الإنصاف والمصالحة، وما أسفرت عنه أعمالها من نتائج في كشف بعض
الحقائق المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجبر الضرر
بالنسبة لعدد من الضحايا، وحفظ الذاكرة؛ غير أن الملف يبقى مفتوحا
لاستكمال الكشف عن المصير الذي ظل مجهولا بالنسبة لبعض المختفين،
واستكمال العناصر الضرورية للوصول إلى الطي النهائي لملف انتهاكات
سنوات الجمر والرصاص، وقد تم وضع هذه المسؤولية على عاتق المجلس
الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي من المفروض أن يضطلع بدور أكثر
فعالية وأعمق جدوى، ليس في معالجة ملفات الماضي فقط، وإنما كذلك في
مواجهة ما يحدث من خروق في الحاضر، واتخاذ ما هو ضروري لوضع حد
لجميع أشكال انتهاكات حقوق الإنسان، وضمان حمايتها في المستقبل.
وعلى باقي الأطراف وخاصة الحكومة، ومرافقها المعنية، أن تسهر على
تنفيذ التوصيات الصادرة عن هيئة الإنصاف والمصالحة، وتوفير
الضمانات الكافية لتجنب تكرار ما جرى في الماضي، وتعزيز آليات
الحماية والنهوض بحقوق الإنسان على الصعيد الوطني.
قضية
الصحراء المغربية:
بعد أن مارس المغرب حقه في تحرير صحرائه من الاحتلال الأجنبي، تعرض
لمعاكسة الجزائر التي احتضنت وجندت على الأراضي الخاضعة لنفوذها،
جماعة أذكت فيها نزعة الانفصال عن الوطن الأب، لخلق نزاع مفتعل حول
مغربية الصحراء، وتستمر الجزائر في محاصرة آلاف المغاربة في مخيمات
العار بتيندوف في ظروف غير إنسانية، وحرمانهم من حرية العودة إلى
بلادهم والعيش بين أهلهم، مما يتعارض مع حق هؤلاء المواطنين في
الوحدة، وحقهم في الأمن والاستقرار والتقدم.
وإن الحل السياسي المتفاوض عليه الذي يقترحه المغرب، ويدعمه
المجتمع الدولي، والمتمثل في الجهوية الموسعة، بتمكين سكان الصحراء
من تدبير شؤونهم بأنفسهم، في إطار السيادة المغربية، والوحدة
الوطنية، يعتبر الطريق المثلى لوضع حد نهائي للنزاع المفتعل، وضمان
العيش الآمن والكريم لسكان المنطقة كلها.
ثانيا – على الصعيد الدولي:
يلاحظ المؤتمر أنه بالرغم من تزايد نشاط الهيئات والفعاليات
المدافعة عن حقوق الإنسان في المنتديات والمؤتمرات الدولية، وتزايد
انتشار وذيوع الخطابات الداعية للسلم والتسامح والتعايش والتعاون
بين الشعوب، فإن أخطارا كثيرة تهدد الإنسانية، كالحروب، والاحتلال
المباشر لدول ذات سيادة، والإرهاب، والإرهاب المضاد، وانتهاك
الشرعية الدولية، وتغليب منطق القوة والهيمنة، والدمار البيئي،
وتزايد الاختلال والحيف بين الشمال والجنوب.. وإن الزحف المتنامي
لتيار العولمة غير المُعَقْلَنَةِ، من شأنه أن يعمق الهوة في
العلاقات غير المتكافئة وغير العادلة بين الدول الغنية والدول
الفقيرة، ويعرقل حق الشعوب المستضعفة في التنمية والتقدم.
وترى العصبة أنه لا يمكن ضمان حق الشعوب في السلم والاستقرار
والديمقراطية والتقدم عن طريق فرض نظام الهيمنة الدولية الذي
تتزعمه الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يضرب المكتسبات التي
حققتها البشرية، ويتجاوز الشرعية الدولية، ويخرق المواثيق الدولية
لحقوق الإنسان.
وإن اغتصاب الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، واستمرار
الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي لأراضيه، وسياسة التقتيل والتخريب
التي تمارسها الآلة العسكرية الإسرائيلية العنصرية ضد الشعب
الفلسطيني الأعزل، وعدوانها الآثم على الشعب اللبناني واستمرار
احتلال الأراضي السورية، من أبرز الأمثلة على انتهاك المشروعية
الدولية، بدعم متواصل من الولايات المتحدة الأمريكية.
والوضع المأساوي في العراق لا يزيد إلا تدهورا بسبب استمرار
الاحتلال الأمريكي البريطاني، ولا يمكن علاج هذا الوضع إلا بإزالة
السبب وهو الاحتلال الأجنبي، كما أنه لا يمكن إقرار الحرية وتحقيق
الديمقراطية عن طريق الاحتلال العسكري، واغتصاب سيادة شعب، ونهب
خيراته الوطنية.
وما آل إليه الوضع في العراق مثال صارخ على عجز وفشل منظمة الأمم
المتحدة في حماية الشرعية الدولية، وبالتالي فقد أصبح من الضروري
إعادة النظر في ميثاقها، وتخليصها من الهيمنة الأمريكية، وضمان
استقلالها عن القوى العظمى، لتتمكن من الاضطلاع بدورها في حفظ
السلم في العالم، ووقاية البشرية من ويلات الحروب، وضمان استقلال
وسيادة ووحدة الدول، في مواجهة النزعات الاستعمارية بجميع أشكالها
القديمة والجديدة.
|